شهادات للعلم والنظر


أ/ فهمي هويدي
قل ما شئت في خبث الإعلام الإسرائيلي، لكنك لا تستطيع أن تنكر انه في أحيان غير قليلة فإنه ينشر معلومات تهمنا، بعضها يسلط الضوء على ما لا نفهمه، وبعضه يخبرنا بما لا نعرفه، خذ مثلاً المقولة التي أطلقها السيد احمد أبو الغيط وزير الخارجية ورددها آخرون عدة مرات، والتي ذكر فيها أن حماس لو كانت قد قبلت بالعرض المصري لتمديد التهدئة، لما جرى ما جرى بعد ذلك في غزة، وهي الفكرة التي هدمها حوار أجرته صحيفة «هاآرتس» قبل أسبوعين من موعد انتهاء التهدئة في 19/12 الماضي مع توني بلير مبعوث الرباعية الدولية للشرق الأوسط ورئيس الوزراء البريطاني السابق، في ذلك الحوار قال السيد بلير إن حل مشكلة غزة يكمن في تغيير الواقع القائم فيها، ومنع حماس من مواصلة السيطرة على القطاع، واعتبر أن الخيار العسكري هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لتحقيق ذلك الهدف بعد أن ثبت بشكل واضح فشل الرهان على الحصار والضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية، وقال صراحة إن لديه خطة تقوم على تكثيف العمل العسكري ضد حماس وفي الوقت ذاته تحقيق الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين.
ما يفاجئنا في هذا الكلام أمران، أولهما ان خيار العمل العسكري ضد سلطة القطاع كان مبيتاً في وقت مبكر قبل إعلان عدم تمديد التهدئة من جانب فصائل المقاومة، وثانيهما أن هذا بالضبط ما فعلته اسرائيل في انقضاضها الأخير على القطاع،
خذ أيضاً ما قاله الجنرال متان فلنائي نائب وزير الحرب الإسرائيلي، في مقابلة اجراها معه التلفزيون الإسرائيلي باللغة العبرية ليلة الثلاثاء الماضي، من ان الظروف الدولية والإقليمية السائدة حالياً، وبينها عدم انعقاد القمة العربية، تتيح لإسرائيل استكمال حملتها على حركة حماس في قطاع غزة.
اضاف فلنائي أن العديد من الأطراف العربية تتفهم دوافع اسرائيل لخوض المواجهة ضد حماس، لافتا إلى أن «التفهم العربي» يعتبر أحد أهم الظروف التي أتاحت لإسرائيل شن حملتها العسكرية، وأن ثمة شعورا لدى الكثير من الحكومات العربية بأن هناك قاسماً مشتركاً بينها وبين اسرائيل في حربها ضد ما أسماه بـ «الإسلام المتطرف».
خذ كذلك ما كتبه يوم الاثنين الماضي 29/12 يوسي بيلين وزير القضاء الأسبق في صحيفة «اسرائيل اليوم» وقال فيه ان الحرب في غزة لا تزعج أكثر القادة العرب، تماما كما لم تقلقهم حرب اسرائيل ضد لبنان (عام 2006)، وأضاف أنه من خبرته أدرك أنه بمجرد أن تخرج عدسات التصوير التلفزيوني من القاعات التي يجتمع فيها القادة العرب مع نظرائهم الاسرائيليين، فإن الاخيرين يسمعون من العرب أقوالاً مدهشة تفرحهم وتقنعهم بأن ألد أعداء اسرائيل هم ايضاً ألد أعداء أولئك الزعماء، واستطرد أنه حينما تضرب اسرائيل حزب الله فإن بعض الزعماء العرب احياناً ما يبلغون القادة الاسرائيليين بأن عملياتهم العسكرية ينبغي أن تكون أكثر صرامة. ودعا بيلين قادة اسرائيل الى عدم الالتفات الى مطالبات بعض الزعماء العرب التي تشجعهم على تحطيم عظام حركة حماس، ثم أضاف قائلاً: يجب ألا يكون مئات الملايين الذين يشاهدون قنوات التلفزيونات العربية من مؤيدي حزب الله وأنصار حماس أو من المتطرفين لكي يكرهونا ويمقتونا بعد المجازر التي ارتكبناها في القطاع. واستهجن الرجل أن تطالب اسرائيل والغرب العرب بإعادة صياغة كتب التعليم والمناهج الدراسية وتخليصها من المواد التي تحث على كراهية اسرائيل في الوقت الذي تتسبب فيه الجرائم الإسرائيلية في تجذير الشعور بالكراهية في نفوس العرب والمسلمين، وأضاف: «إن كل من يتحدث عن وجوب اقتلاع الكراهية من الكتب الدراسية ومن القلوب في العالم العربي، لا يمكن ان يسمح لنفسه بأن يمارس القتل ضد مدنيين عزل على هذا النحو المفرط».
خذ أيضاً ما قاله الجنرال عاموس جلبوع رئيس وحدة الأبحاث السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عما وصفه بالتحول الاستراتيجي في موقف مصر إزاء حركة حماس، حيث ذكر في مقال نشرته صحيفة «معاريف» أن مصر تتزعم الجناح العربي المعتدل الموالي للغرب الذي يشعر بأن الإسلام المتطرف يهدده، وهو الواقع الذي أفاد اسرائيل كثيراً في تسويغ نزع الشرعية عن حكم حماس في غزة.
ولعلمك، فإن صحيفة «معاريف» ثانية اوسع الصحف العبرية انتشاراً كشفت النقاب في عدد الخميس 25/12 عن ان مسؤولين عربا كبارا طالبوا اسرائيل بتصفية قيادات حركة حماس السياسيين والعسكريين، وذكر بن كاسبيت كبير المعلقين في الصحيفة، والمعروف بارتباطاته الوثيقة بالمؤسسة الأمنية والسياسية في اسرائيل، أن احد المسؤولين العرب اتصل بعدد من المسؤولين الإسرائيليين وقال لهم «اقطعوا رؤوسهم». وأكدت وسائل الإعلام الاسرائيلية ان اسرائيل حرصت على أن تحصل على شرعية عربية لضرب حركة حماس ولم تتردد في الاطمئنان الى ضمان تأييد مصر لهذه الضربة. وادعت الصحيفتان ان مدير المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان أبلغ الجنرال عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية أن اسرائيل محقة في أي خطوة تتخذها ضد حماس، محملاً الحركة المسؤولية عن انهيار التهدئة.
القاعدة عندي هي: كذب الإسرائيليون وإن صدقوا، فأرجو أن تثبت الأيام هذا الظن.

ليست هناك تعليقات: